أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

610

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الخامس : أنه منصوب على محلّ « مثل » فيمن خفضه ، لأنّ محلّه النصب بعمل المصدر فيه تقديرا كما تقدّم تحريره . السادس : أنه بدل من « جزاء » فيمن نصبه . و « بالغ الكعبة » صفة ل « هديا » ، ولم يتعرّف بالإضافة لأنه عامل في الكعبة النصب تقديرا ، ومثله : هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا « 1 » وقول الآخر : 1818 - يا ربّ غابطنا لو كان يطلبكم * لاقى مباعدة منكم وحرمانا « 2 » في أنّ الإضافة فيها غير محضة . وقرأ الأعرج : « هديّا » بكسر الدال وتشديد الياء . قوله : أَوْ كَفَّارَةٌ عطف على قوله : « فجزاء » ، و « أو » هنا للتخيير ، ونقل عن ابن عباس أنها ليست للتخيير ، بل للترتيب ، وهذا على قراءة من رفع « فجزاء » ، وأمّا من نصبه فقال الزمخشري « جعلها خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل : أو الواجب عليه كفارة ، ويجوز أن تقدّر : فعليه أن يجزي جزاء أو كفارة ، فتعطف « كفارة » على « أن يجزي » ، يعني أنّ « عليه » يكون خبرا مقدما ، و « أن يجزي » مبتدأ مؤخرا ، فعطفت « الكفارة » على هذا المبتدأ . وقرأ نافع وابن عامر بإضافة « كفارة » لما بعدها ، والباقون بتنوينها ورفع ما بعدها . فأما قراءة الجماعة فواضحة ، ورفع « طعام » على أحد ثلاثة أوجه : أحدها : أنّه بدل من « كفارة » إذ هي من جنسه . الثاني : أنه بيان لها كما تقدّم ، قاله الفارسي . وردّه الشيخ « 3 » بأنّ مذهب البصريين اختصاص عطف البيان بالمعارف دون النكرات قلت : أبو علي يخالف في ذلك ويستدل بأدلة ، منها : « شجرة مباركة زيتونة « 4 » » ، ف « زيتونة » عنده عطف بيان ل « شجرة » ، وكذا قوله تعالى : مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ « 5 » ، ف « صديد » عنده بدل من « ماء » والبدل فيهما محتمل فلا حجّة له ، والبدل قد يجيء للبيان . الثالث : أنه خبر مبتدأ محذوف أي : هي طعام أي : تلك الكفارة . وأمّا قراءة نافع وابن عامر فوجهها أنّ الكفارة لمّا تنوّعت إلى تكفير بالطعام وتكفير بالجزاء المماثل وتكفير بالصيام حسن إضافتها لأحد أنواعها تبيينا لذلك ، والإضافة تكون بأدنى ملابسة كقوله : 1819 - إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة * سهيل أذاعت غزلها في القرائب « 6 » أضاف الكوكب إليها لقيامها عند طلوعه فهذا أولى . ووجّهها الزمخشري فقال : « وهذه الإضافة مبيّنة ، كأنه قيل : أو كفارة من طعام مساكين ، كقولك : « خاتم فضة » بمعنى من فضة » . قال الشيخ « 7 » : وأمّا زعمه فليس من هذا الباب لأنّ « خاتم فضة » من باب إضافة الشيء إلى جنسه والطعام ليس جنسا للكفارة إلا بتجوّز بعيد جدا » انتهى . قلت : كان من حقّه أن يقول : والكفارة ليست جنسا للطعام لأنّ الكفارة في التركيب نظير « خاتم » في أنّ كلا منهما هو

--> ( 1 ) سورة الأحقاف ، الآية ( 24 ) . ( 2 ) البيت لجرير انظر ديوانه ( 595 ) ، الكتاب ( 1 / 212 ) ، التصريح ( 2 / 28 ) ، ابن يعيش ( 3 / 51 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 20 ) . ( 4 ) سورة النور ، الآية ( 35 ) . ( 5 ) سورة إبراهيم ، الآية ( 16 ) . ( 6 ) تقدم . ( 7 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 21 ) .